الحفاظ على مباني الحداثة وما بعد الحداثة في السعودية
ما زالت مباني السعودية الحديثة قريبة في الذاكرة اليومية، لكنها بلغت عمرًا تتعرض معه موادها وأنظمتها واستعمالاتها الأصلية لضغوط متزايدة. فالمساكن والمدارس والمساجد والمطارات والمكاتب والمباني الثقافية التي شُيدت في النصف الثاني من القرن العشرين تسجل التحول المؤسسي والعمراني السريع في المملكة. ولا تستمد قيمتها من العمر وحده؛ فقد تكمن في فكرة إنشائية، أو برنامج مدني، أو نظام بناء، أو استجابة للمناخ، أو مكانة راسخة في الذاكرة الجماعية.
لذلك لا يعني الحفاظ على مباني الحداثة وما بعد الحداثة تجميد كل مبنى ينتمي إلى حقبة زمنية محددة. المقصود هو بناء قرار منضبط يحدد ما يحمل القيمة، وما أصابه الخلل، وما يمكن تغييره، وما سيضيع إذا استُبدل المبنى. ونحن نتعامل مع هذا القرار بوصفه مسألة أدلة قبل أن يصبح مسألة تصميم.
لماذا تدخل المباني الحديثة في حوار التراث؟
يتطلب تقييم التراث الحديث الانتباه إلى عناصر لا يتضح دورها من عمرها وحده: واجهة معيارية، أو مظلة خرسانية رقيقة، أو محور حركة مظلل، أو أثاث مصمم للمكان، أو علاقة متكاملة بين المبنى والمشهد الخارجي. ويساعد توثيق هذه العناصر وصلتها بالمبنى ككل على التمييز بين الصيانة الدورية والتغييرات التي تؤثر في الشخصية المعمارية.
أطلقت هيئة التراث مبادرة «التراث العمراني الحديث» في نوفمبر 2022، ثم بدأ العمل على استراتيجية وطنية في 2023. يشمل نطاقها المعلن الحصر والتصنيف، والتوثيق المعماري والعمراني، والتسجيل، والحفظ والتأهيل، والإدارة طويلة الأمد. وتوفر هذه الأعمال إطارًا لفهم كل أصل واختيار الإجراءات الملائمة لقيمته الموثقة وحالته المادية.
الحداثة وما بعد الحداثة قراءتان مختلفتان
تُستخدم كلمة «حديث» أحيانًا بمعنى «جديد»، لكن التاريخ المعماري أكثر تحديدًا. قللت الحداثة عادة من الزخرفة المضافة وجعلت الهيكل والبرنامج والحركة والإنتاج الصناعي عناصر أساسية في التعبير. وفي السعودية تكيفت هذه اللغة مع الحرارة الشديدة والخصوصية والحركة الاحتفالية ونمو المؤسسات العامة. ولهذا اجتمع الظل العميق والمشربيات والأفنية والفتحات المنضبطة مع الخرسانة المسلحة والبحور الكبيرة والأنظمة الميكانيكية.
أما ما بعد الحداثة فلم تكن مجرد مرحلة زمنية جاءت لاحقًا. فقد راجعت افتراض أن الشكل المجرد والمنطق الوظيفي يكفيان لبناء المعنى، وأعادت استخدام المرجع التاريخي والهندسة الرمزية واللون والصورة الحضرية المألوفة، أحيانًا بجدية وأحيانًا بصورة زخرفية. يجب أن يحدد تقييم الحفظ الموقف الذي يمثله المبنى. فتنظيف هيكل خرساني حداثي حتى يبدو جديدًا، أو الإبقاء على زخرفة ما بعد حداثية مع هدم النظام الفراغي، قد يمحو في الحالتين الدليل الذي يمنح المبنى قيمته.
تحديد القيمة يسبق الحكم على الحالة
التشقق دليل على الحالة، وليس برهانًا على انعدام الأهمية. وبالمقابل لا تكفي واجهة سليمة للحكم بأن كل جزء يجب أن يبقى. نبدأ ببيان واضح للقيمة يختبر عدة مستويات:
- القيمة المعمارية: جودة التنظيم الفراغي والنظام الإنشائي والاستجابة البيئية والتفاصيل.
- القيمة التاريخية: اتصال المبنى بحقبة أو مؤسسة أو حدث أو تحول في الحياة العمرانية السعودية.
- القيمة التقنية: مادة أو طريقة بناء أو حل هندسي غير مألوف.
- القيمة الاجتماعية: استمرار الاستخدام والذاكرة الجماعية والمعاني التي يربطها المستخدمون بالمكان.
- القيمة الحضرية: دور المبنى في شارع أو حرم أو حي أو خط أفق أو شبكة من الفضاءات العامة.
ويجب أن يبين التقييم مقدار النسيج الأصلي الباقي، والتعديلات اللاحقة التي اكتسبت قيمة بذاتها، والمواضع التي لا تزال فيها نسبة التصميم أو الرواية التاريخية غير مؤكدة. الشك الموثق أكثر فائدة من قصة واثقة بلا سند.
تشخيص النسيج بوصفه نظامًا مترابطًا
يفحص التقييم التقني نقاط التقاء الأنظمة إلى جانب المواد المنفردة. قد تؤدي كربنة الخرسانة أو الأملاح إلى بدء تآكل حديد التسليح، ثم تزيد الحركة أو الرقع غير المتوافقة انفصال الطلاء والسطح. وتتطلب الأسقف المستوية والمصارف المخفية فحصًا دقيقًا للعزل. وقد تحتاج الواجهات الزجاجية المبكرة إلى تقييم تسرب الهواء والجسور الحرارية ومواد الإحكام وتوافر القطاعات البديلة. كما قد تنتهي حياة الأنظمة الميكانيكية والكهربائية بينما يظل الهيكل الأساسي صالحًا. وهذه اعتبارات عامة للفحص، وليست نتائج معاينة لمبنى سعودي بعينه.
يربط الفحص المفيد بين الأرشيف والموقع. توضح الرسومات والمواصفات والصور الأصلية قصد التصميم. ويسجل الرفع المقاس التعديلات اللاحقة. ويحدد المسح البصري الدقيق مواقع التشققات والبقع والتشوه والتآكل. وتجيب اختبارات المواد عن أسئلة محددة بدل إنتاج بيانات بلا قرار. أما مسح الخدمات فيكشف قيود السعة وإمكانية الوصول والسلامة من الحريق. والناتج المطلوب هو ترتيب للعيوب وأسبابها ونتائجها، لا قائمة بالتشطيبات المتضررة.
ينبغي تنسيق هذه المرحلة مع تخطيط التشييد والتنفيذ. فالوصول والأعمال المؤقتة والنماذج التجريبية والتوريد المتخصص ومراحل العمل قد تحدد ما إذا كان الإصلاح الصحيح نظريًا قابلًا للتطبيق مع استمرار إشغال المبنى.
اختيار التدخل من الأدلة لا من المظهر
لا يكون الترميم الشامل هو الخيار الأول تلقائيًا. تبدأ المقارنة المسؤولة عادة بالصيانة، ثم الإصلاح الموضعي، وإصلاح المكونات، والاستبدال المتوافق، والتكيف، ولا تصل إلى إعادة البناء الواسعة أو الإزالة إلا بعد ذلك. ويُختبر كل خيار في ضوء بيان القيمة، والتكلفة الواقعية، والسلامة، والعمر الخدمي، ومتطلبات التشغيل.
يجب أن يحفظ الإصلاح الدليل الأصلي حيث يمكنه الاستمرار في الأداء. ويطابق الاستبدال المتوافق وظيفة العنصر ودوره البصري من دون تزوير العمر. ويوضع العمل الجديد في موضع يسبب أقل خسارة ويظل مقروءًا عند الفحص القريب. وحيث تتعذر المحافظة على جزء ما، تسبق الإزالةَ رسومات مقاسة وتصوير منهجي وعينات عند الحاجة وسجل واضح للقرار؛ لأن صورًا خارجية قليلة لا تحفظ معرفة المبنى.
وتحتاج الحجة البيئية إلى حساب. قد يقلل الإبقاء على الهيكل الطلب على الخرسانة والصلب الجديدين، لكن الحفظ ليس دائمًا الخيار الأقل أثرًا. فالتدعيم والأنظمة البديلة والطاقة التشغيلية والصيانة المستقبلية كلها مؤثرة. والمقارنة الصحيحة جزء من تقييم الاستدامة على امتداد دورة الحياة، لا شعار عام عن إعادة الاستخدام.
رفع الأداء من دون محو التصميم
السلامة وإتاحة الوصول وكفاءة الطاقة ليست استثناءات من الحفظ، بل قيودًا تصميمية يجب دمجها. وقد يوزع الحل الأقل ضررًا التحسينات على أكثر من نظام بدل إجبار عنصر واحد على حل جميع المشكلات. يمكن التحكم الشمسي عبر إصلاح التظليل الخارجي وتحسينات انتقائية للزجاج وإجراءات داخلية محسوبة. ويمكن خفض طلب التبريد بالتقسيم والتحكم وضبط تسرب الهواء قبل استبدال المعدات الرئيسية. وقد تجمع استراتيجية الحريق بين الإدارة والفصل ومخارج محسنة بعناية بدل إغلاق المساحات بلا تمييز.
تكتسب النماذج التجريبية قيمة خاصة. تختبر عينة إصلاح الخرسانة اللون والملمس ومعالجة الحواف، وتختبر وحدة من الواجهة أداء الهواء والماء، ويكشف نموذج الإضاءة ما إذا كانت التجهيزات الجديدة تغير تدرج الفضاءات المقصود. تجعل هذه التجارب المفاضلة مرئية قبل تكرارها على كامل المبنى.
للبرنامج الوظيفي الوزن نفسه. تحدد البحور والأحمال والحركة ومسارات الخدمات المتاحة أنواع الاستخدام التي يمكن استيعابها بتدخل محدود. ويتعامل منهجنا في التصميم مع المبنى القائم بوصفه مجموعة من الإمكانات والقيود، لا غلافًا فارغًا ينتظر صورة جديدة.
محطة الحجاج: حفظ النظام لا الصورة وحدها
تكشف محطة الحجاج في مطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة لماذا يجب فهم المبنى الحديث كنظام بيئي وتشغيلي متكامل. اكتمل بناء المحطة التي صممتها SOM عام 1981، ويتكون السقف من 210 وحدات شبيهة بالخيام موزعة على عشر وحدات تنظيمية. تضم كل وحدة تنظيمية 21 خيمة، وتشغل كل خيمة شبكة إنشائية مربعة ضلعها 45 مترًا. وتتدلى الأغشية من حلقات فولاذية وكابلات تحملها أبراج يبلغ ارتفاعها قرابة 45 مترًا. وتتناول هذه القراءة خصائص التصميم الموثقة، ولا تقدم تقييمًا للحالة الراهنة أو وصفًا لبرنامج صيانة قائم.
لا يكمن الإنجاز المعماري في التشابه مع الخيمة وحده. يستقبل الحقل المظلل المفتوح من الجوانب الحجاج بعد إجراءات الوصول داخل المباني المغلقة. يسمح غشاء الألياف الزجاجية الشفاف جزئيًا والعاكس للحرارة بدخول ضوء منتشر، بينما تدعم الحواف المفتوحة وشكل السقف حركة الهواء. ويجعل التكرار هذا الحجم الاستثنائي مقروءًا كتتابع من فضاءات مشتركة بدل أن يكون قاعة مغلقة واحدة. حصلت المحطة على جائزة الآغا خان للعمارة عام 1983، ثم جائزة الخمسة والعشرين عامًا من المعهد الأمريكي للمعماريين عام 2010، بما يؤكد تلازم الابتكار التقني والمعنى الثقافي والأداء طويل الأمد في قيمتها.
لا تستطيع خطة حفظ لهذا المكان أن تصون هندسة السقف وتتجاهل سلوك الغشاء وقوى الكابلات والصرف ودورات الاستبدال وحركة الحشود والعلاقة بين المساحات المكيفة والمفتوحة. موضوع الحفظ هو المنطق الذي يربط هذه الأجزاء. ولهذا أيضًا يجب فصل النقد العام للحداثة عن تقييم كل مبنى بعينه؛ وقد تناولنا هذا الفرق في مراجعتنا المرتبطة حول نقد العمارة الحديثة في السعودية.
بناء سجل وخطة إدارة قابلين للاستمرار
الإصلاح المكتمل لحظة واحدة في عمر المبنى. يجب أن يحفظ ملف الأصل بيان القيمة، ونسب التصميم والتواريخ الموثقة، والرسومات، ونقاط ضبط الرفع، ومواقع اختبارات المواد، والنماذج المعتمدة، وسجلات التدخل، والضمانات، ودورات الصيانة. تحتاج الصور إلى مواقع وتواريخ، ويحتاج كل عنصر مستبدل إلى سبب ومواصفة وسجل للتصرف فيه. بذلك تستطيع الفرق اللاحقة التمييز بين العمل الأصلي والتعديل المهم والإصلاح الجديد.
وتحدد خطة الإدارة مسؤولية الفحص والصيانة الدورية والاستجابة للطوارئ واعتماد التغيير. كما تعين حدود التدخل: أي ملاحظة تحتاج إلى مراقبة، وأيها تستدعي مراجعة متخصصة أو إجراءً فوريًا. ويساعد وضوح المسؤوليات ودورات الفحص على تنفيذ الصيانة في وقتها واتساق القرارات طوال العمر الخدمي للأصل.
توسع المباني الحديثة التاريخ الذي يمثله حفظ التراث العمراني السعودي. فهي توثق المؤسسات وصناعات البناء وأساليب التصميم البيئي التي شكلت المدن المعاصرة. ويساعد الجمع بين تقييم القيمة والحالة والبدائل العملية على اختيار متوازن للحفظ أو التأهيل أو التكيف الملائم لكل أصل.






