اعادة إعمار وسط بيروت و ميناء بيروت
في 4 أغسطس 2020، انفجر 2,750 طنًا من نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت. وفي غضون ثوانٍ، أودى الانفجار بحياة أكثر من 200 شخص، وشرّد 300,000 من السكان، ومزّق أحد أكثر الأنسجة الحضرية تراكمًا بالذاكرة والتاريخ في العالم العربي. ولم يعد السؤال الذي أعقب الكارثة مقتصرًا على كيفية إعادة البناء، بل على ما إذا كان ينبغي للميناء أن يشغل هذا الشريط الساحلي نفسه مرة أخرى.
تحمل بيروت أكثر من 5,000 عام من الاستيطان المتواصل على الساحل اللبناني للمتوسط، حيث ما تزال طبقات التاريخ الفينيقي والروماني والعثماني وفترة الانتداب الفرنسي مقروءة في نسيجها العمراني. وكان مرفؤها يعمل بوصفه محرّكًا وتهديدًا في آنٍ واحد — قلبًا اقتصاديًا دُفع على نحو خطِر إلى داخل مدينة تاريخية كثيفة. ولم يكشف الانفجار عن خلل في تنظيم التخزين فحسب، بل عن انهيار ممتد في منظومة الحوكمة، حيث كانت المواد الخطرة معروفة للسلطات ومعلّقة بلا معالجة. وقد تعاملت INJ Architects مع المسابقة عبر إعادة صياغة السؤال نفسه: لعل الفعل المعماري الأول لم يكن إعادة بناء المرفأ في موضعه، بل التشكيك في هذا الافتراض من الأساس.
الموقع Beirut Port, Lebanon
العميل Architecture Competition — Reconstructing Beirut
النوع Urban Reconstruction — Competition Entry
الحالة Competition Proposal
السنة 2021
المسؤول الرئيسي Ibrahim Nawaf Joharji
النطاق Urban Planning, Memorial Architecture, Economic Restructuringانبثق هذا المقترح بعد المشاركة في ملتقى Architectural Association School of Architecture بعنوان “Reconstructing Beirut”، حيث اجتمع معماريون وأكاديميون ومنظمو مجتمعات محلية لتفكيك أسباب الانفجار ورسم مسارات التعافي. وقد بدأ البحث عبر لقطات موثقة جغرافيًا ونمذجة ثلاثية الأبعاد أعادت تركيب تسلسل أحداث 4 أغسطس بدقة جنائية. وكشف هذا المسار عن الشروط المكانية والتنظيمية التي سمحت للكارثة بأن تتضخم إلى هذا الحد. لذلك لم يبدأ المشروع من صورة متخيلة لما ينبغي أن تصير إليه بيروت، بل من قراءة دقيقة لما فشل فيها.
على المستوى العمراني، يقترح المشروع نقل الوظائف التشغيلية للمرفأ إلى مركز لوجستي جديد خارج قلب المدينة، محررًا الواجهة المائية المتضررة لصالح حي متعدد الاستخدامات بقيمة مدنية واقتصادية أعلى بكثير. فقد ظلت أرض المرفأ السابقة، وهي من بين الأصول الحضرية الأعلى قيمة على الساحل اللبناني للمتوسط، مثقلة ببرنامج صناعي لا ينسجم أصلًا مع موقعها. وهنا يُفهم الانفجار ليس بوصفه مأساة فقط، بل بوصفه كشفًا قاسيًا لخطأ تخطيطي عمره قرن كامل. ومن ثم يعيد المشروع هذه الحافة البحرية إلى المدينة، ويجعل من التصحيح العمراني جوهر الاستجابة التصميمية.
في قلب المشروع يظهر نظام إنشائي قائم على الحلقات المتراكبة، حيث تتراصف صفائح حلقية كاملة فوق بعضها مع إزاحات هندسية وبرامجية بين مستوى وآخر. وهو يرفض منطق البرج التقليدي القائم فوق منصة؛ فكل حلقة هنا طبقة مأهولة مكتملة، يتوسطها فراغ مفتوح على السماء، يسمح للهواء والضوء والفراغ بأن يتدفق عبر المقطع. ومن الخارج، تبدو الكتلة كسلسلة من الأشرطة الأفقية المعلقة، لا كاستخراج رأسي واحد. وقد طُوّر هذا النظام خصيصًا لسياق بيروت بوصفه مفهومًا تصميميًا مسجلًا، بحيث يحمل كل مستوى برنامجًا مختلفًا وعلاقة ضوئية مغايرة مع وهج المتوسط في الأعلى.
يتحرك لبنان داخل مناخ إقليمي أوسع من الفساد السياسي، وقد كشف انفجار بيروت عن لحظة انهيار التقت فيها السياسة والمواطنة والعمارة في فشل واحد. دخلنا هذه المسابقة بصفتنا مكتبًا سعوديًا لأن لبنان قريبة منا جغرافيًا وثقافيًا، ولأن إعادة إعمارها تتطلب خبرة معمارية وتخطيطًا عمرانيًا نافذًا. ولا يمكن لأي مقترح جاد أن يتجاهل البعد الاقتصادي، لأن التعافي لا يمكن أن يستمر من دون بنية مالية قابلة للحياة.
يعمل نظام الحلقات المتراكبة كإسفنجة إنشائية على مستوى المدينة، وقد طُوّر مباشرة استجابةً لهشاشة بيروت. فبينما تميل الكتل الصلبة الكثيفة إلى تركيز قوى الانفجار عند المفاصل المتعامدة، تعمل الهندسة الحلقية على تبديد الضغط الجانبي على امتداد الانحناء، فيما تسمح الفراغات المركزية المفتوحة بتنفيس موجات الصدمة عموديًا عبر المقطع. كما أن الإزاحة بين الحلقات تقطع مسارات الأحمال المتصلة، فتحدّ من خطر الانهيار المتتابع إذا تعرضت إحدى الحلقات للتلف. وهذا المنطق لم يكن نتيجة لاحقة للشكل، بل المبدأ التوليدي الذي انبثق منه الشكل نفسه.
ينتظم المخطط العام في ثلاث مناطق، لكل منها برنامجها الخاص وعلاقتها المتمايزة بذاكرة 4 أغسطس. تضم المنطقة الأولى، الأقرب إلى النسيج القائم للمدينة، تطويرًا سكنيًا وتجاريًا يشكّل المحرك الاقتصادي الذي يعيد الواجهة البحرية إلى الحياة اليومية في بيروت. وتجمع المنطقة الثانية ما تبقى من وظائف المرفأ مع مشهد تذكاري يتمحور حول دائرة صلاة وُضعت عند مركز الانفجار، وتنفتح عبر فراغات مزروعة على أفق البحر المتوسط. أما المنطقة الثالثة فتحتضن Tower of Resurrection، حيث تستوعب القاعدة وظائف إدارية وثقافية قبل أن ترتفع الحلقات المتعددة الاستخدامات نحو منصة بانورامية معلّقة بين المدينة والبحر.
تُبنى المنطقة الأولى وفق نموذج One-Minute City، الذي طُوّر أولًا في السويد، ويقوم على تمكين السكان من الوصول إلى الخدمات اليومية الأساسية خلال دقيقة واحدة مشيًا أو بالدراجة من منازلهم. وفي سياق بيروت، يوزّع هذا المبدأ الخدمات عبر الحي بدل تركيزها في عقد تجارية منفصلة. وهكذا تتحول اللامركزية من مسألة راحة يومية إلى أداة حضرية تحدّ من خطر الفشل المتمركز، ذلك النوع من التراكم الذي سمح للخطر بأن يستقر بلا مساءلة داخل المرفأ. هنا تصبح البنية العمرانية نفسها حاملة لمعنى سياسي واضح.
إن نظام الحلقات المتراكبة الذي طورته INJ Architects لهذا المقترح هو مفهوم تصميمي مسجل، يجمع بين المرونة البرامجية والوضوح المدني والقدرة على الصمود على مقياس الواجهات البحرية. وفي بيروت، يُستخدم هذا النظام بوصفه أداة لإعادة الإعمار، حيث يعمل الأداء الإنشائي والرمزية العامة معًا داخل لغة معمارية واحدة. وتُفصَّل منهجية البحث والتخطيط العمراني التي يستند إليها المقترح في كيف نعمل. كما يرد الإطار البيئي الذي تستند إليه منطقية المدينة الإسفنجية تحت الاستدامة، بينما يتوافر إطار التعاون مع الجهات الحكومية ووكالات التطوير عبر العمارة المصممة حسب الطلب.






















