Rijal Almaa stone village stepped across the mountain slope in Asir | قرية رجال ألمع الحجرية متدرجة على السفح الجبلي في عسير
Home | حوار معماري | عمارة الجنوب السعودي: الأرض والمطر وتنوع البناء في عسير

عمارة الجنوب السعودي: الأرض والمطر وتنوع البناء في عسير

لا تُقرأ عمارة الجنوب السعودي بوصفها مجموعة زخارف يمكن فصلها عن المكان. ففي عسير وحدها تتغير التضاريس والارتفاع والرطوبة ومصادر المادة بين السراة والأصدار وتهامة، فتتغير معها هيئة المسكن وطريقة حمله وتصريفه للماء وعلاقته بالزراعة والطريق. لذلك تبدأ القراءة المعمارية من الأرض والمناخ ومسار الحركة، ثم تصل إلى الجدار والفتحة واللون.

تعتمد هذه المقالة عسير حالةً موثقة لا اختزالًا للجنوب كله. وهي تضع قرية رجال ألمع، وأنماط البناء التي توثقها المصادر السعودية، وفن القط العسيري في إطار واحد يوضح كيف تتكوّن الهوية من تفاعل التقنية والبرنامج والحرفة والمجتمع.

الجنوب ليس طرازًا واحدًا

تُظهر عمارة عسير أن الحدود الإدارية لا تنتج مادة بناء واحدة. على الهضبة تنتشر مبانٍ طينية متعددة الأدوار؛ وفي الأصدار يظهر الحجر، ومنه البازلت، قريبًا من الأودية والمنحدرات؛ وفي السراة تتجاور قواعد أو طوابق حجرية مع جدران علوية من الطين؛ أما في تهامة فتظهر العشش النباتية ذات الأسقف المرتفعة. هذا التنوع ليس قائمة شكلية، بل استجابة لاختلاف الحرارة والرطوبة والأمطار وتوافر الحجر والتربة والنبات.

بهذا المعنى، لا يكفي وصف مبنى بأنه «عسيري» لأن نوافذه صغيرة أو لأن جدرانه داكنة. السؤال الأدق هو: من أين جاءت مادته؟ كيف استقر على المنحدر؟ ماذا يحدث للماء عند قاعدة الجدار؟ وكيف يرتبط المسكن بالممر والحقل والجوار؟ وهذا المنهج يكمل المقارنة مع العمارة الحجازية، حيث أنتج الميناء والحج والحجر المرجاني والخشب منطقًا مختلفًا.

قراءة الموقع تسبق قراءة الواجهة

في التضاريس الجبلية لا يكون الموقع أرضية محايدة. الميل يحدد موضع الكتلة ومدخلها ومستوياتها، والطريق يحدد كيفية وصول الناس والمواد، والماء يفرض الانتباه إلى السطح والحواف والقواعد. كما أن قرب الزراعة ومصادر المياه جزء من تكوين المستوطنة، لا خلفية جميلة تضاف إلى صورتها.

لذلك نقرأ القرية على ثلاثة مقاييس مترابطة. الأول هو المشهد: الوادي والسفح والحقل ومسارات العبور. والثاني هو النسيج: تقارب المباني والساحات والممرات ودرجات الوصول. والثالث هو المقطع: قاعدة الجدار، وتتابع المواد، والفتحات، والسقف. إهمال أحد هذه المقاييس يجعل «الطابع» صورة سطحية ويخفي ما سمح للمكان بأن يعمل ويتغير عبر الزمن.

رجال ألمع: الاستقرار والتجارة على ممر جبلي

تقع قرية رجال ألمع التراثية على نحو 45 كيلومترًا غرب أبها. ويصف ملفها في القائمة الإرشادية لليونسكو قرابة ستين قصرًا متعدد الأدوار مبنيًا من الحجر الطبيعي والطين والخشب. كما يربط نشأة أهميتها بممرات تاريخية بين اليمن وبلاد الشام والطرق المؤدية إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، ما جعلها مركزًا إقليميًا للتجارة لا تجمعًا معزولًا.

تكشف الكتل المتدرجة على السفح عن تفاوض مستمر بين التحصين والسكن والتخزين والوصول. وهي تصحح تصورًا سابقًا بأن قرى عسير تخلو من الحصون؛ فالملف نفسه يذكر حصنًا يحتضن متحفًا تراثيًا أنشأه السكان منذ عام 1985. والأهم أن رجال ألمع ما تزال مدرجة في القائمة الإرشادية السعودية منذ 8 أبريل 2015؛ وهذا توصيف مختلف عن الإدراج النهائي في قائمة التراث العالمي.

أربع استجابات مادية داخل عسير

تقسم المصادر السعودية التقليدية عمارة عسير إلى أربعة أنماط مرتبطة بالبيئة. مباني الهضبة الطينية قد ترتفع إلى طابقين، وأحيانًا ثلاثة أو أربعة، وتظهر على أسطحها زخارف طينية بارزة. وفي الأصدار تُبنى مساكن حجرية من مواد محلية، ومنها البازلت، قرب مجاري الأودية والأراضي الزراعية وعلى السفوح.

أما في السراة، فقد يبدأ المبنى بقاعدة حجرية ترتفع مترًا أو مترين، أو بطابق أرضي حجري، ثم تتابع فوقه طبقات طينية تدعمها شرائح حجرية بارزة. وقد يتسع الجدار عند القاعدة ويضيق صعودًا. وفي تهامة تأخذ العشش النباتية هيئة أقرب إلى المخروط أو الهرم بسقوف عالية، وهي استجابة مختلفة للحرارة والرطوبة. جمع هذه الأبنية تحت واجهة واحدة يمحو المعرفة التي تحملها موادها ومقاطعها.

الجدار سجل للمادة والمطر والصيانة

الجدار المختلط في السراة ليس مجرد تناوب لوني بين الطين والحجر. القاعدة الحجرية تتعامل مع الأرض والرطوبة والصدمات، بينما تسمح الطبقات الطينية بإكمال الارتفاع بمادة قابلة للتشكيل والإصلاح. وتبرز الشرائح الحجرية بين مداميك الطين فتقطع امتداد السطح وتساعد على إبعاد جزء من ماء المطر عن وجه الجدار. لكن قيمتها لا تُفهم من الصورة وحدها؛ فهي مرتبطة ببروزها وميلها وجودة الطين وحالة الفواصل والصيانة الدورية.

لهذا لا ينبغي نقل التفصيلة التاريخية حرفيًا إلى مبنى معاصر ثم افتراض نجاحها. نحتاج إلى توصيف المادة واختبار امتصاصها، ومراجعة مسار الماء عند السقف والفتحات والقاعدة، وتحديد ما يمكن استبداله وصيانته. هنا تتقاطع قراءة العمارة التقليدية مع مبادئ صيانة التراث العمراني: الأداء نتيجة منظومة، لا خاصية سحرية لمادة منفردة.

الداخل الاجتماعي وفن القط العسيري

النمو الرأسي وتقارب الكتل يتيحان توزيع الوظائف على مستويات متعددة، لكن المصادر المتاحة لا تبرر قاعدة عامة تخصص كل طابق لجنس أو خدمة بعينها، كما لا تجعل الفناء شرطًا لكل بيت. تتغير الخطط مع موضع المبنى وحجمه ومرحلة تطوره، ولذلك ينبغي قراءة المداخل والسلالم والغرف والتخزين من المسح الفعلي لا من نموذج واحد مفترض.

داخل هذا العالم المادي يظهر القط العسيري بوصفه تقليدًا نسائيًا لزخرفة الجدران الداخلية، ولا سيما غرف الضيوف. أدرجته اليونسكو عام 2017 في قائمتها التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي. قيمته ليست في الألوان والهندسة فحسب، بل في المعرفة المنقولة داخل الأسر والمجتمع وفي تحويل الداخل إلى سجل للضيافة والمشاركة والذاكرة. وهذا يوسع فهم العمارة الإسلامية من الشكل إلى المؤسسة والحرفة والممارسة الاجتماعية.

الحفاظ على مستوطنة لا على لقطة

يشمل تقييم سلامة رجال ألمع، بحسب ملف اليونسكو، المستوطنة والأراضي الزراعية والمشهد الأوسع والبيئة الطبيعية. وهذه نقطة عملية: طلاء الواجهة أو إعادة بناء جزء حجري لا يكفيان إذا تعطلت قنوات التصريف، أو انقطع مسار الوصول، أو تراجعت الزراعة التي كانت جزءًا من اقتصاد المكان، أو استُبدلت الفواصل بمواد تحبس الرطوبة.

تبدأ خطة الحفظ بجرد موثق لكل مبنى، وتسجيل الشروخ والميل والرطوبة والتعديلات، ثم ترتيب التدخلات من حماية الناس وإدارة الماء إلى إصلاح المونة والأسقف والنجارة. وينبغي أن تميّز الوثائق بين المادة الأصلية والإضافة الجديدة، وأن تضع للصيانة دورة واضحة. السياحة يمكن أن تدعم الاستمرار، لكنها تحتاج حدودًا للسعة والاستخدام تحمي السكن والحرفة ولا تحول القرية إلى واجهة منفصلة عن مجتمعها.

ما الذي يمكن أن يتعلمه التصميم المعاصر؟

الدرس القابل للنقل ليس نافذة صغيرة أو شريطًا زخرفيًا. إنه تسلسل قرار يبدأ من المناخ والطبوغرافيا والموارد، ويصل إلى كتلة قابلة للبناء والإصلاح. يمكن لمشروع معاصر أن يتعلم من تدرج الكتل مع المنسوب، ومن تقليل نقل المواد حين تكون البدائل المحلية مناسبة، ومن جعل تصريف الماء ظاهرًا وقابلًا للفحص، ومن توزيع الفتحات وفق الضوء والخصوصية والتهوية بدل تكرار نمط جاهز.

في المقابل، يجب اختبار الراحة والطاقة والرطوبة والسلامة الإنشائية بمعايير اليوم. الهوية لا تعفي المشروع من القياس، والقياس لا يقتضي محو الذاكرة. هذا التوازن هو ما تحتاجه مناقشة نقد العمارة الحديثة في السعودية: أن تتحول المعرفة التراثية إلى منطق تصميم موثق، لا إلى قشرة بصرية.

عندما نقرأ عمارة الجنوب بهذه الطريقة، تصبح رجال ألمع والقط العسيري والبناء الطيني والحجري أجزاءً من نظام معرفة متعدد المقاييس. قوته لا تأتي من تجميد الماضي، بل من فهم العلاقة الدقيقة بين الأرض والمطر والمادة والعمل الجماعي، ثم اختبار ما يصلح منها لحاضر مختلف.

موضوعات ذات صلة